الإسلام في روسيا: الوضع الحالي والآفاق المستقبلية
13.02.2009 17:06ضمير محي الدين
يتجمع المسلمون الروس في منطقتين أساسيتين في إطار الد ائرة الفدرالية الجنوبية ودائرة حوض الفولغا الفدرالية. والجدير بالذكر أن المسلمين في دائرة حوض الفولغا يقطنون بشكل خاص في جمهوريتي تتارستان وباشكيريا. ويصل عدد السكان المسلمين في هاتين الجمهوريتين الى حوالي مليوني نسمة /أي أكثر من نصف عدد السكان هناك/
وفي الفترة ما بين 1989 و 2002 ازدادت نسبة الشعوب المسلمة في روسيا وفق الاحصائيات الرسمية من 8 الى 10 بالمائة من عدد السكان الاجمالي في البلاد في حين كانت هذه النسبة في عام 1959 فقط 6 بالمائة. ويؤكد مجلس المفتين في روسيا على أن عدد المسلمين في روسيا اليوم يصل الى حوالي 20 مليون شخص. ومن المعروف أنه يوجد في الوقت الراهن في روسيا ووفق الاحصائيات المختلفة عدة ملايين من المهاجرين والعمال الاجانب ومن ضمنهم كتلة هائلة من المسلمين من دول آسيا الوسطى وأذربيجان
ولا بد من التنويه بأن معظمهم يبقى ويستقر في روسيا. وعلى أية حال من الواضح ان عدد المسلمين في روسيا يزداد مع مرور الزمن وهو ما يجعلهم قوة تؤخذ بالحسبان ولا شك في أن هذا العدد سيستمر بالتزايد. ويجب الاخذ بعين الاعتبار ان العائلات المسلمة تعتبر تقليديا اكبر من عدد الاطفال وأثبت من حيث الاستقرار. وهكذا نرى ان الزيادة العددية تسير بالتزامن مع الزيادة النوعية. وبزداد عدد ونسبة المسلمين ليس في شمال القوقاز فقط بل وفي دائرة حوض الفولغا الفدرالية
وتجدر الإشارة الى ان تسمية هذه الدائرة /دائرة حوض الفولغا الفدرالية/ بحد ذاتها تتحدث عن نهر الفولغا كقسم اقتصادي وإداري أساسي في المنطقة. ومن المعروف ان الفولغا هو اعظم نهر في اوربا يربط شرقها وغربها ويوصل شمالها بجنوبها. وقد تميز حوض الفولغا دائما بالتنوع وهو امر لم يكن ممكنا بدون التعايش السلمي بين الاديان والطوائف واللغات والثقافات. والشعوب القاطنة في حوض الفولغا تمكنت وعلى مدى قرون عديدة من ممارسة طقوسها الدينية بحرية مع المحافظة على السلام في المنطقة والوفاء للحكام
وهذه الدائرة الفدرالية تحتل مكانا هاما جدا في مجال 3 مؤشرات اساسية: عدد السكان /بما في ذلك 5 شعوب غير روسية يبلغ عدد كل منها اكثر من مليون نسمة/ وحصتها في
الانتاج الصناعي في الاقتصاد الروسي وكذلك في عدد المسلمين فيها. وتدل معطيات الموقع الرسمي لهذه الدائرة على الانترنت على ان حصتها من الانتاج الصناعي في الاقتصاد الروسي تبلغ 9ر23 بالمائة وهو أعلى مؤشر /المكان الثاني بعد الدائرة الفدرالية المركزية/. ويعيش في دائرة حوض الفولغا 1ر22 بالمائة من مجمل السكان في روسيا الاتحادية. كما يعيش داخل هذه الدائرة الفدرالية العديد من القوميات ومنها الروس (أكثر من 70 بالمائة) والتتار والبشكير والتشوفاش والاودمورت والموردفا والماري وكذلك كومي – بيرمياكي وغيرها من القوميات والشعوب. وغالبية سكان الدائرة المذكورة من اتباع الديانة المسيحية الارثوذكسية (حوالي 70 بالمائة) وهناك عدد كبير من المسلمين - حوالي 20 بالمائة. وجدير بالذكر أن المسلمين في دائرة حوض الفولغا يشكلون حوالي 40 بالمائة من عدد المسلمين العام في روسيا الاتحادية
والصفة المميزة لهذه الدائرة تعتبر وجود مناطق تجمعات تقليدية لعيش التتار قي كل الكيانات والمدن في الدائرة وتتوحد هذه التجمعات المسلمة /التي يغلب عليها التتار/ في ادارات دينية
وتشير معطيات الإحصاء العام في روسيا لعام 2002 الى انه من 2.000.116 مواطنا من التتار و18.760 موطنا من الكرياشين في جمهورية تتارستان هناك فقط 2.014.517 شخص يتقنون لغتهم الام. وفي دائرة حوض الفولغا ومع وجود 4.063.720 مواطنا من أبناء القومية التترية هناك 4.355.618 يتقنون اللغة التترية. وفي باشكيريا ومع وجود 990.702 تتري /نتيجة احصاء عام 2002/ هناك 1.396.947 شخصا يتقنون اللغة التترية ومن بين 1.221.302 بكشيري فقط1.056.871 شخص يتقنون لغتهم لبلن. وهكذا نرى أن القسم السابع من سكان هذه الدائرة الفدرالية والغالبية العظمى من المسلمين هناك تتقن اللغة التترية
وكأي منطقة أخرى تكون الحدود في منطقة حوض الفولغا مبهمة ولكنها في اساسها تتطابق مع الحدود الادارية لدائرة حوض الفولغا وهي تضم في عدادها جمهوريات بشكيريا وماري إيل و موردوفيا وتتارستان واودمورتيا وتشوفاشيا ومقاطعات كيروف ونيجني نوفغورود واورينبورغ وبينزا وسامارا وساراتوف واوليانوفسك واقليم بيرم. وفي كل منطقة من هذه المناطق تتواجد وعلى مدى قرون عديدة جاليات مسلمة تعيش في المدن والريف
ويمكن طبعا تحديد البنية الثقافية الاثنية والطائفية لهذه المنطقة بعدة مفاهيم مختلفة. ويمكن القول انه تمر هنا "الحدود" بين العوالم الثقافية السلافية والتتارية والمنغولية وغيرها وبالتالي بين عالم الاسلام والأرثوذكسية وعالم البوذية ايضا. ولا يجوز نسيان كذلك انه وخلال فترة انهيار الامبراطورية الروسية /1917-1918/ لم تبد الشعوب غير الروسية في هذه المنطقة اية نزاعات انفصالية على غرار ما حدث في المناطق الاخرى
ويمكن القول ان عملية تكوين وتأسيس منطقة حوض الفولغا في مفهومها المعاصر بدأت في مرحلة الاستيلاء على امارتي قازان واسترخان من قبل ايفان الرابع وصدور "ايعاز قصر قازان" بتشكيل هذه الوحدة الادارية – الاقليمية في عام 1550. ولكن وحدة اقتصاد منطقة حوض الفولغا ترسخت في عهد الاوردا الذهبية في القرن الرابع عشر – القرن الثامن عشر. واول دولة سيطرت على "طريق فولغا العظيم" كانت امارة الخزر في القرن التاسع – القرن الثالث عشر. وخلال تواجد الدول الاسلامية في حوض الفولغا تم تشريع حرية العقائد الدينية والاستقلال الديني الذاتي
وظهر تكامل النخبة التترية في بنيات الدولة الروسية بشكل واضح من خلال مشاركة شعوب حوض الفولغا في قتال الانصار من التتار الى جانب "المواطن مينين والامير بوجارسكي". وفي عام 1613 وقع اعيان التتار المسلمين على وثيقة حول زواج القيصر ميخائيل رومانوف
وترسخت في منطقة حوض الفولغا تقاليد اسلامية خاصة "وكانت ذلك مثالا فريدا من نوعه على الثقافة الاوربية الاسلامية" /سيلايف، 2006 ص 61/. وهذا المثال من التقاليد الاسلامية موجود في منطقة حوض الفولغا مع الارثوذكسية المسيحية منذ القرن العاشر ميلادي على الاقل /معاهدة الامير فلاديمير مع البولغار/ وفي اطار الدولة الروسية منذ القرن السادس عشر. وفي عام 1788 جرى بناء التعاون بين الدولة الروسية والمسلمين عبر بنية "الاتحاد الديني للمحمديين في اورينبورغ". وكان "التتار خلال ذلك على ثقة من ان العامل الديني هو الشرط اللازم للمحافظة على الاصالة القومية للشعب". وكان الدين بالنسبة اليهم يملك قيمة خاصة وبالذات في سلوكهم الحياتي. ويعتبر ذلك عاملا هاما في التقارب مع ابناء قوميتهم
وعلى الرغم من المستوى العالي للوعي الديني المعاصر للسكان التتار في الجمهورية إلا ان المواطنين ينظرون بشكل سلبي الى استخدام العامل الديني في سبيل تحقيق الاهداف السياسية والحكومية. وحوالي 87 بالمائة من التتار اشاروا الى ان الدولة /وخاصة المتعددة القوميات/ لا يجوز ان يكون هناك دين رسمي للدولة ويجب ان يملك كل شعب وكل فرد فيها حق حرية الاعتقاد الديني. أي بكلمات اخرى ان حق ممارسة الشعائر والطقوس الدينية يعتبر كعامل من عوامل الثقافة القومية
وما تمت الاشارة اليه هنا من مميزات منطقة حوض الفولغا تؤكد على دورها كمنطقة وصل والتي بدأت تتشكل مع تأسيس طريق الفولغا العظيم في القرن التاسع ميلادي وتعززت مع دخول حوض الفولغا في عداد الدولة الروسية في اواسط القرن السادس عشر. ومع تقدم الدولة الروسية في القرن الرابع عشر – القرن السابع عشر وعلى كافة الاتجاهات في الغرب حتى "فيسلي" و"دوناي" وفي الجنوب حتى "اراكس" و"بامير" وفي الشرق حتى المحيط الهادئ باتت منطقة حوض الفولغا تعتبر منطقة داخلية بحتة ضمن روسيا. وحتى عملية بناء السكك الحديدية والطرق العامة جرت نحو سيبيريا وآسيا الوسطى وليس بهدف اقامة مواصلات داخلية. وفقط الآن بدأت الدولة تعزز شبكة الطرق التي تحتل قازان مركزها. وهي تتجه نحو المناطق الاسلامية التاريخية ومنها اوفا وقازان واوليانوفسك وسامارا واورينبورغ وتصل الى حدود كازاخستان
وفي كل مناطق دائرة حوض الفولغا الفدرالية تعيش جاليات تتارية ومنذ فترات تاريخية طويلة. وقد تحولت مدينة نيجني نوفغورود /وهي مركز مقاطعة تحمل نفس الاسم ولدائرة حوض الفولغا/ في السنوات الاخيرة ليس فقط في العاصمة الثالثة لروسيا بل والى احد عواصم المسلمين في روسيا. وقد تم هناك إقامة مؤسسة اعلامية كبرى اسلامية وكذلك دار نشر لطباعة الكتب الدينية والعلمية وكذلك عقد المحافل الاسلامية لعموم روسيا
والمعالم الاساسية في تاريخ الاسلام في منطقة الفولغا والاورال يمكن حصرها الفترات التالية:
1. الاسلام في فترة الدول التتارية المستقلة وهي تمتد من انتشار الاسلام في وسط حوض الفولغا في القرن العاشر
ميلادي الى تكوين شبكة الجاليات الاسلامية في المنطقة التي بقيت حتى يومنا هذا. وقد بدأ الاسلام ينتشر في امارة الخزر اعتبارا من 737 مـ. وحسب ما ذكر ياقوت الحموي وابو اسحاق استخري كان هناك في مدن وقرى البولغار جوامع وفيها أئمة وشيوخ. وبعد ذلك حل اتحاد البولغار مكان امارة الخزر ومن ثم امارات الاوردا الذهبية وقازان وحتى احتلال هذه الاخيرة من قبل قيصر موسكو في عام 1552 مـ
2. عصر"ابيزيّين" كزعماء دينيين غير رسميين /اواسط القرن السادس عشر – نهاية القرن الثامن عشر/.في هذه الفترة لم يكن هناك وضع رسمي عام للاسلام على مستوى الدولة في روسيا وشهدت تلك المرحلة عدة موجات من عمليات اجبار الناس على دخول المسيحية /التعميد القسري/. ولكن في القرن الثامن عشر تم انشاء شبكة من الجماعات المحلية وبناء المساجد والمكتبات وظهرت اولى المدراس الدينية الاسلامية. واولى الاسماء المعروفة من الابيزيين وهم الأئمة الدينيين للتتار في نيجني نوفغورود تعود في تاريخها الى القرن السابع عشر. ومجموعة الابيزيين هذه /اصل الكلمة عربية "حفظة القرآن"/ كانت تعرف اللغة الروسية وذلك بسبب عملهم في مختلف انحاء الدولة الروسية وبالتالي احتكاكهم بالسلطات الادارية الروسية. وكان يتم انتخاب "الحفظة" كرؤساء دينيين للجاليات والجماعات الاسلامية وكانوا بالطبع يعتبرون النخبة المثقفة لهذه الجاليات على الرغم من عدم وجود أي إقرار رسمي لهم
وفي عام 1713 اصدر القيصر بطرس الاول مرسوما اجبر فيه الاقطاعيين المسلمين في حوض الفولغا على اعتناق المسيحية خلال نصف عام وفي حال العكس كان سيفقدون أملاكهم وصفتهم الاجتماعية. وفي نفس العام تم نقل المسلمين في تلك المنطقة بما في ذلك مسلمي نيجني نوفغورود الى طبقة "لاشمان" /عمل قطع الاشجار/ واجبروا على العمل في ورشات قطع الاشجار لصناعة السفن في قازان. وبالنتيجة اضطر معظم المسلمين الى الاقامة في الاقليم وعدم الانتقال الى المناطق الاخرى الجديدة. ولذلك نرى انه ومنذ بداية القرن الثامن عشر بدأت الوثائق تشير الى وجود المساجد ورجال الدين المسلمين في عدد من التجمعات السكنية التتارية. وقد خرج من بين "الحفظة" معظم الأئمة في الاقليم الذين استلموا "المرسوم" واصبحوا خاضعين "للاتحاد الديني للمحمديين في اورينبورغ" /الذي تأسس في عام 1788/. ومن حيث الجوهر حول "مرسوم" الدولة احفاد "الحفظة" الى أئمة في منطقة الفولغا والاورال
3. عهد "الاتحاد الديني للمحمديين في اورينبورغ". وتعتبر تلك المرحلة فترة قيام البنى التحتية لنظام التعليم الديني التتاري العام ومن ثم التعليم المدني /العلماني/ وظهور المنظمات الخيرية. ومع نهاية الفترة المذكورة تم توحيد نشاط التجمعات الاسلامية الريفية وفي المدن. وشملت منطقة عمل "الاتحاد الديني للمحمديين في اورينبورغ" كل روسيا الاوربية /ماعدا القرم والقوقاز وبعض اراضي بولندا السابقة/ وسيبيريا. وكان يجب على الامام بعد انتخابه ان يحصل على "مرسوم" من "الاتحاد الديني للمحمديين في اورينبورغ" وموافقة على شغل المنصب المذكور من ادارة المقاطعة. وفي عام 1912 دخل في عداد "الاتحاد الديني للمحمديين في اورينبورغ" 5771 مسجدا
4. في العهد السوفيتي /1917 – الثمانينيات من القرن الماضي/.بعد مرور فترة قصيرة من الاعتراف بحقوق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية والحصول على التعليم الديني حاولت الدولة وعبر العدد من الوسائل ان تحول كافة المواطنين الى ملحدين. وفي تلك الفترة تعرض المسلمون لحملة قوية من جانب الدولة الملحدة وكلنهم تمكنوا رغم ذلك من التمسك بدين اجدادهم والمحافظة عليه إلا أن عددا كبيرا من المؤسسات الدينية تعرض للدمار . وفي عام 1927 وصل العدد الاقصى للمساجد التابعة للادارة الدينية لمسلمي روسيا – 14825. وحافظ المسلمون على اتنمائهم الى هذه المؤسسة الدينية ذات الاسنقلال الذاتي. ومن ثم تحولت الى الادارة الدينية لمسلمي القسم الاوربي من روسيا وسيبيريا والتي تسيطر. ومع بداية الثمانينات من القرن الماضي كان لدى هذه المؤسسة 142 مسجدا مسجَّلا ومع وجود عدد كبير من الجوامع غير الرسمية في المناطق الريفية. وكان الأئمة في الجوامع الرسمية وغير الرسمية ينتخبون من قبل المسلمين هناك. وبعد الحرب العالمية الثانية كان يجري تسجيل الائمة بشكل رسمي لدى الادارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا والادارة الدينية لمسلمي القسم الاوربي من روسيا وسيبيريا عليها الدولة الى حد كبير
5. الفترة المعاصرة /منذ نهاية الثمانينات/. تم على اساس الادارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا تشكيل اكثر من 40 ادارة اقليمية دينية للمسلمين. وفي تلك الفترة حدث انبعاث ونهضة المرافق والبنى التحتية الاسلامية على شكل شبكة من المساجد والمكتبات والمدارس الدينية وإلخ. وباتت تعمل جامعات تعليمية اسلامية في موسكو واوفا وقازان وكذلك العشرات من المدارس الدينية
وفي السنوات العشر الاخيرة تواجد هذا النموذج في تعايش سلمي ملحوظ في مجتمع متعدد القوميات والمجموعات الاثنية والطوائف الدينية وحيث يعتبر الروس والتتار المجموعتين القوميتين الرئيسيتين والأرثوذكسية والاسلام المجموعتين الدينتين الاساسيتين وهذا النموذج يدعى عادة "بنموذج تتارستان" ويربط بشكل قوي مع سياسة سلطات هذه الجمهورية /تتارستان/
فلابد من التأكيد على أن كل مناطق دائرة حوض الفولغا الفدرالية تتميز بوجود الروس والتتار والبشكير والكازاخ وكذلك السكان المسيحيين غير الروس في الارياف. وهذا النموذج المتسامح من التعايش الديني والقومي السلمي يوجد في كل أراضي دائرة حوض الفولغا الفدرالية ولا تعتبر نسبة السكان غير الروس وغير المسيحيين في المنطقة العامل الاساسي في ذلك. وتتعايش الحضارة التركية الاسلامية مع الحضارة الروسية الارثوذكسية في مدن حوض الفولغا وعلى الاقل منذ عهد الاوردا الذهبية في القرن الثامن الميلادي. وتدل المعطيات على مشاركة الروس في اسواق البولغار منذ عام 922 مـ على الاقل
وقد وطدت تجربة اسواق ومعارض "نيجني نوفغورود" و"ماكاروفسكي" تقاليد التكامل الاقتصادي والتسامح الديني هذه. ومن الضروري الاشارة الى ان قسم كبير من اراضي دائرة حوض الفولغا الفدرالية التي كانت تدخل في عداد امارات استرخان والاوردا الذهبية وقازان باتت اراضي تابعة للدولة الروسية منذ اواسط القرن السادس عشر وتكاملت شعوب هذه المنطقة منذ زمن بعيد مع المجتمع الروسي والدولة الروسية. ولكن السكان المسلمين في دائرة حوض الفولغا الفدرالية حافظوا على الرغم من ذلك على تابعيتهم للامة الاسلامية ويدل على ذلك نهضة شبكة المساجد والمدارس والمكتبات الدينية اعتبارا من بداية التسعينيات في القرن الماضي
والجدير بالذكر أن تطور المبادئ والافكار الدينية الاسلامية والمناخ الذهني للعالم الاسلامي اعتبارا من القرن الثامن عشر /ما عدا فترة التوقف في العهد السوفيتي/ اثر تاثيرا مباشرا في تطور الجاليات الاسلامية في منطقة حوض الفولغا. فلقد حصل الأئمة والمدرسون هناك على شهادات تعليمية في العديد من المراكز العلمية الدينية مثل قازان وبخارى وطشقند والمدينة المنورة. وهذا التأثير الذهني يسمح باستخدام افضل المنجزات الاسلامية في العالم وتشكيل حاجز في وجه تسرب الافكار الثورية او الارهابية الى وسط الجمهور. ومن المعروف ان الحضارة الاسلامية في القرن الماضي تمكنت من تجنب الكثير من الجرائم الكبيرة مثل معسكرات "غولاك" /الستالينية/ والهولوكست وغيرها من الجرائم التي دمرت طبقات كاملة من السكان ولم تشارك في تأسيس العقائد والايديولوجيات الديكتاتورية مثل الشيوعية والفاشية والنازية ولم يكن لها منظومة معسكرات اعتقال ونظريات الارهاب
ولا شك في ان التطور المستقبلي للامة يرتبط بشكل مستمر ومتواصل بنمو وتطوير التعليم المهني الاسلامي. وفي العديد من المناطق يوجد الآن العدد الكافي من المؤسسات التعليمية الاسلامية ولكن ليس من الواضح مدى التفاوت في المستوى التعليمي بينها
وفي التسعينيات من القرن الماضي ظهرت مجموعة من "المعاهد العليا" او "الجامعات" الاسلامية ولكنها غالبيتها العظمى لم تكن تتطابق مع المعايير المطلوبة من المؤسسات التعليمية الدينية العليا. وهنا وخاصة في منطقة شمال القوقاز تنعدم تقريبا عملية تدريس المواد غير الدينية في هذه الجامعات. ولكن ولحسن الحظ قامت الكثير من هذه الجامعات والمعاهد العليا في السنوات الاخيرة بالتخلي عن هذه التسميات لصالح تسمية المدرسة الدينية العادية. فعلى سبيل المثال حدث ذلك في داغستان وتتارستان. ولكن خرّيجي هذه المدارس البسيطة لا يزال بمقدورهم كالسابق شغل منصب الإمام أو المدرس. وقد ادى السعي الى تركيز المركزية وانشاء منظومة تعليم دينية متعددة المستويات واعداد مختصين من مستويات أعلى إلى اقامة جامعات حديثة ومنها على سبيل المثال الجامعة الاسلامية الروسية في قازان في عام 1998.
ولكن المسألتين من المسائل الاساسية بقيتا بلا جواب على مدى السنوات العشر الاخيرة:
أولا. هل مستوى خرّيجي هذه الجامعة افضل من مستويات متخرجي المؤسسات التعليمية الاسلامية الاخرى والى أي حد
ثانيا. ما هي المراكز القيادية التي يمكنهم شغلها
وحتى يومنا هذا لم يتمكن المتخرجون من هذه الجامعة من شغل الحيز المهني العالي العائد لهم
ونحن نعتقد أن المسلك السليم يكمن ومنذ البداية في ضرورة ضمان مستويات عالية لاعداد أئمة المساجد
ومن أهم نشاطاتنا الاساسية عمل دار "مدينة" للطباعة والنشر التي تحولت في السنوات الاخيرة الى شركة اعلامية اسلامية قابضة لعموم روسيا ونستطيع اليوم ذكر العشرات من منتجاتها المطبوعة ومنها:
1. صحيفة "مدينة الاسلام" الاسبوعية المخصصة للمسلمين في روسيا
2. مجلة "منارة" المخصصة لدراسات الفكر الاجتماعي الاسلامي في اوراسيا وهي تصدر كل ربع عام
3. مجلة "مولد النبي" وهي مجلة ثقافية جامعية تصدر كل عام
4. مجمع ديني سنوي يحمل اسم "قراءات رمضانية"
5. مجلة سنوية علمية تنويرية تحمل اسم "الاسلام في منطقة نيجني نوفغورود"
6. مجلة علمية اجتماعية "الإسلام في العالم المعاصر: المسالك السياسية الداخلية والدولية"
7. نشرة تحليلية علمية سنوية "منتدبات المسلمين الروس"
8. مجموعة مواد المؤتمر السنوي "قراءات فائزخانوية"
9. مجموعة مواد المؤتمرات العلمية التطبيقية السنوية للباحثين والمستشرقين الشباب "القضايا المعاصرة وآفاق تطوير الدراسات الاسلامية والتركية"
10. موسوعة "الاسلام في روسيا الاتحادية" والذي يعد مجموعة فريدة من نوعها ومؤلفة من 12 مجلدا اثنين منها مخصصة لمقاطعة نيجني نوفغورود وموسكو
كل هذه المطبوعات تعتبر مودا جيدة ومفيدة للعملية الدراسية في المدراس الدينية والجامعات
ونذكر أن المؤسسات التعليمية التابعة للادارة الدينية لمسلمي مقاطعة نيجني نوفغورود مزودة بكل الكتب الدينية والمواد الأدبية اللازمة لتعليم الدروس ووفق برنامج مرخص. والقسم الاكبر هنا هو من الكتب المطبوعة في دار "مدينة" للطباعة والنشر
وفي السنوات الاخيرة تمت وعلى المستوى الروسي العام صياغة شكل جديد من التعاون بين الجامعات الاسلامية والدنياوية. وهو يتلخص في تكوين مجمعات تعليمية توحد هذين النوعين من التعليم العالي. وقد تم ذلك في موسكو وقازان وأوفا ومحج قلعة ونالتشيك ونيجني نوفغورود. وفي هذه المدينة الاخيرة وكما ذكرت تعمل بشكل مترابط ووثيق الجامعة الحكومية هناك ومعهد فائزخانوف الاسلامي العالي. وهذا الاتجاه في اعداد المتخصصين الذين يتقنون العلوم الدينية والمدنية يتمتع حسب رأينا بآفاق واعدة جدا في المستقبل .وفي سبيل تحقيق ذلك تتوفر لدينا الكوادر العالية الاعداد وكذلك القاعدة التعليمية والعلمية المطلوبة وآليات التعاون مع المؤسسات التعليمية المدنية /العلمانية/. ولا بد للسائر على الدرب أن يصل الى الهدف المنشود...
